ابو القاسم عبد الكريم القشيري
211
كتاب المعراج
وجود اللّطيفة في قلبه من البصائر والمعارف . وقال جعفر الصّادق رضي اللّه عنه : من توهّم أنه بنفسه دنا ، جعل ثم مسافة . إنما التدلّي أنه كلّما قرب منه بعده عن أنواع المعارف . إذ لا دنوّ ولا بعد . فكلّما دنا بنفسه تدلّى بعدا ، فانقلب في الحقيقة خاسئا وهو حسير . ولا سبيل إلى مطالعة الحقيقة . وقال الجنيد : « 1 » خصّ محمّد ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، ليلة المعراج بلبسة عجز عنها جبريل . فقال : لو دنوت أنملة لاحترقت . وتلك اللّبسة أنه غمره في أنواره ، وأخلاه من جميع صفاته ، وحلّاه وزيّنه بأنوار صفاته . فأطلق الهجوم على الكلام ، والمشاهدة والمراجعة ، والتلقّف من الحقّ بالتحيّات . فقاله الحقّ بالتحيّات أجمع ، لا تحيّة واحدة . ثم
--> ( 1 ) - الجنيد : هو أبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد . ولد في بغداد ونشأ وتوفي فيها ( ت 297 ) عرف ب شيخ الطائفة . يقول عنه القشيري في الرسالة سيّد هذه الطائفة وإمامهم ، من أقواله : « ما أخذنا التصوّف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات » . عاصر الحلّاج والشبلي وكانت له تأويلات لعدد من شطحات البسطامي تبقيها في إطار الكتاب والسنّة . وقد أورد هذه التأويلات السرّاج الطوسي في اللمع . من أقواله : " لو أقبل صادق على اللّه ألف ألف سنة ، ثم أعرض عنه لحظة ، كان ما فاته أكثر مما ناله " . تقوم طريقة الجنيد على الصحو " وذلك مقابل طريقه " السكر " عند الحلّاج والبسطامي . وهي تجمع بين الظاهر والباطن . ولا تتصادم مع الشريعة .